
أثارت جلسة مناقشة البرنامج الحكومي بمجلس النواب أمس الخميس 22 أكتوبر الجاري تفاعلا واسعا في أوساط المهتمين بالشأن السياسي، تباينت فيه القراءات بين من رأى فيها فرصة ضائعة لنقاش جدي حول قضايا المواطنين، ومن اعتبرها لحظة أثبتت فيها رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري حضورها السياسي.
وفي هذا السياق، اعتبر متتبعون أن عددا من النواب أخفقوا في أول اختبار لهم مع الحكومة الجديدة، بعدما حولوا النقاش إلى منصة لتصفية حسابات قديمة، وتبادل الاتهامات، والنبش في الماضي السياسوي الضيق، بدل التوقف عند محاور البرنامج الكبرى، من التعليم والصحة إلى الشغل والسكن وغلاء الأسعار.
ولفت هؤلاء إلى أنه بدل أن يقدم النواب حلولا وبدائل تُثري الوثيقة الحكومية أو تُسائل جدواها، انشغل بعضهم بشخص رئيسة الحكومة على حساب جوهر البرنامج الذي جاءت به، وكشفوا أن الحسابات الحزبية الضيقة ما زالت تتقدم على أولويات الشارع.
وكان المنتظر أن تتصدر الملفات المذكورة النقاش، باعتبارها قضايا تمس الحياة اليومية للمغاربة بشكل مباشر، غير أن المواطن الذي تابع الجلسة بحثا عن إجابات واضحة حول قضاياه وجد نفسه أمام مبارزة كلامية يتداخل فيها السياسي بالشخصي، وتختلط فيها مساءلة البرنامج بمحاكمة الأشخاص، يضيفون.
وشددوا على أن مطلع الولاية التشريعية، التي تمتد خمس سنوات، كان يقتضي افتتاحا مختلفا يعطي الأولوية للمضمون، لا لتصفية الحسابات السياسية التي يفترض أن تكون الانتخابات قد حسمت جزءا منها.
في المقابل، تقدم قراءة ثانية تقييما مغايرا لما جرى، حيث أكد عمر الشرقاوي، المحلل السياسي والأستاذ الجامعي، أن المنصوري نجحت في اجتياز أول امتحان برلماني، إذ أظهرت مجريات التعقيب أن رئيسة الحكومة اختارت عدم الاكتفاء بالدفاع التقليدي أو الاختباء خلف النصوص الجاهزة واللغة التقنوقراطية، بل خاضت المواجهة بجرأة وثقة واضحة بالنفس، مسجلة نقطة لصالحها في معركة إثبات الشخصية والشرعية السياسية، يقول.
وأضاف الشرقاوي أن المنصوري أظهرت في تعقيبها قدرا لافتا من الثقة بالنفس، والقدرة على مجاراة السجال البرلماني، وهي تدرك أن أول مواجهة مع المؤسسة التشريعية ليست مجرد تمرين دستوري لتقديم برنامج حكومي، بل لحظة تأسيسية لرسم صورة رئيسة الحكومة في الوعي السياسي والبرلماني.
وتابع: «لقد دافعت المنصوري عن اختياراتها باستماتة، وواجهت الانتقادات دون تردد، وحاولت أن تقنع مخاطبيها بأنها ليست مجرد رئيسة حكومة جاءت بها التوازنات السياسية، بل فاعلة ومناضلة سياسية تمتلك شخصيتها الخاصة، وتطمح إلى أن تطبع المرحلة بأسلوبها في القيادة والتواصل والمواجهة».
ولعل أبرز ما ميز هذا الاختبار الأول، يضيف الشرقاوي، هو الطريقة التي اختارت بها فاطمة الزهراء المنصوري مواجهة حزب العدالة والتنمية، إذ لم تكتفِ بموقع الدفاع التقليدي عن البرنامج الحكومي، بل انتقلت إلى موقع المبادرة والمواجهة السياسية المباشرة، في محاولة لقلب موازين السجال وإعادة توجيه النقاش نحو مسؤولية خصومها عن مواقفهم التي تتهمها بالتخوين والصهينة.
وشدد المتحدث ذاته على أن المنصوري نجحت في توجيه رسالة سياسية واضحة للمعارضة الشعبوية، مفادها أن رئاسة الحكومة ليست موقعا لتلقي الانتقادات بصمت، بل موقعا للمواجهة والتدافع، مؤكدا أنها ربحت في هذه الجولة الأولى معركة إثبات الشخصية والحضور، وإن كانت معركة إثبات النجاعة والإنجاز لم تبدأ بعد، وفق تعبيره.
وفي سياق متصل، يرى مهتمون بالشأن المحلي أن الجلسة الأولى تكشف أن الولاية الجديدة ستكون، منذ بدايتها، محكومة بتدافع سياسي قوي، لكن الرهان الحقيقي، يؤكدون، يبقى في قدرة هذا التدافع على الارتقاء فوق الحسابات الشخصية والحزبية الضيقة، والتحول إلى منافسة حول من يملك الحل الأفضل لمشكلات المغاربة.












