
حين أعطيت انطلاقة مشروع مدينة تامنصورت سنة 2004، كان الرهان أكبر من مجرد تشييد تجمع سكني جديد بضواحي مراكش. فقد قُدمت المدينة باعتبارها أحد الحلول الاستراتيجية لمواكبة التوسع العمراني للعاصمة السياحية، وتخفيف الضغط الديمغرافي والعمراني عنها، وخلق قطب حضري جديد يوفر السكن والخدمات وفرص الشغل، ضمن تصور لمدينة متكاملة وقادرة على استقطاب مئات الآلاف من السكان.
وبعد أكثر من عقدين على إطلاق المشروع، تبدو المسافة واسعة بين التصور الذي انطلقت به تامنصورت والواقع الذي تعيشه اليوم. فبينما حقق المشروع تقدما مهما على مستوى إنتاج الوحدات السكنية وتعمير المجال، ظلت وتيرة إنجاز المرافق والتجهيزات والخدمات الأساسية دون مستوى الطموحات التي رافقت ميلاد المدينة، لتتحول أسئلة السكان والفاعلين المحليين من الحديث عن «مدينة المستقبل» إلى التساؤل عن أسباب استمرار اختلالات مدينة كان يفترض أن تشكل نموذجا جديدا للتنمية الحضرية.
وجاء إحداث تامنصورت في سياق سياسة المدن الجديدة التي اعتمدها المغرب لمواجهة النمو الحضري المتسارع وتخفيف الضغط عن المدن الكبرى. وبفضل موقعها القريب من مراكش، على بعد نحو 17 كيلومترا، كان يفترض أن تضطلع المدينة بدور محوري في استيعاب جزء من التوسع العمراني للمدينة الحمراء، مع توفير إطار عيش متكامل لا يقتصر على السكن.
وتكشف المعطيات الرسمية التي حصلت عليها كشـ24 أن المشروع راهن على استقطاب أعداد كبيرة من السكان، فيما كان التصور يقوم أيضا على توفير تجهيزات عمومية ومرافق اجتماعية واقتصادية، حتى لا تتحول المدينة إلى مجرد امتداد سكني لمراكش. غير أن الحصيلة المسجلة بعد سنوات من الإطلاق تكشف اختلالا واضحا بين سرعة التوسع السكني وبطء استكمال باقي مكونات المدينة.
وحسب معطيات المجلس الأعلى للحسابات، في تقييمه لتجربة المدن الجديدة، أن تامنصورت حققت تقدما مهما في الجانب السكني، إذ بلغ عدد الوحدات المنجزة، إلى نهاية سنة 2023، 37 ألفا و244 وحدة، بما يعادل نحو 93 في المائة من الوحدات المقررة. غير أن هذه الحصيلة لا تخفي مفارقة أساسية: فقد ظل عدد السكان أقل بكثير من الأهداف التي وضعت للمدينة، إذ لم يتجاوز حوالي 75 ألف نسمة، أي نحو ربع الهدف المحدد في الوثائق المرجعية التي استند إليها التقرير.
أما على مستوى التجهيزات، فتبدو الفجوة أكثر وضوحا. فمن أصل 252 تجهيزا عموميا وخاصا كان مبرمجا بمدينة تامنصورت، لم يتم بناء سوى 62 تجهيزا، منها 60 في وضعية تشغيل، أي بنسبة إنجاز لا تتجاوز 25 في المائة، حسب معطيات التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات. وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول مدى قدرة المدينة على مواكبة نموها العمراني وتلبية حاجيات سكانها في التعليم والصحة والثقافة والرياضة والخدمات المختلفة.
وأمام التأخر المسجل في إنجاز عدد من المرافق، تم إطلاق برامج خاصة لدعم تنمية المدينة، من بينها برنامج إقلاع تامنصورت، الذي رُصدت له اعتمادات مالية مهمة وشمل عددا من المشاريع والتجهيزات.
وبحسب معطيات قدمتها وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة سنة 2023، فقد تم إنجاز عدد من المرافق، من بينها مستوصفات ومركب ثقافي ودور للشباب وقاعات متعددة التخصصات، إلى جانب مشاريع أخرى كانت في طور الإنجاز. غير أن الوزارة نفسها أقرت آنذاك بأن انطلاق مشروعي المركب الجامعي والمستشفى المحلي ظل مرتبطا بإيجاد حلول مناسبة ومستعجلة، وهما مشروعان كانا من بين أهم الأوراش المنتظرة لتعزيز الوظيفة الحضرية للمدينة.
ويظل ملف المركب الجامعي واحدا من أبرز الأمثلة على المشاريع التي طال انتظارها، رغم الرهان الكبير الذي علق عليه في توفير عرض جامعي قريب من ساكنة المدينة وتخفيف الضغط عن المؤسسات الجامعية بمراكش.
ولا تقتصر إشكالات تامنصورت على نقص بعض المرافق، بل تمتد إلى ضعف جاذبيتها الاقتصادية وقدرتها على خلق فرص الشغل والأنشطة التي تجعل منها مدينة قائمة بذاتها. فحين يظل جزء كبير من السكان مرتبطا بمراكش من أجل العمل أو الدراسة أو قضاء الحاجيات الأساسية، فإن المدينة تبقى في حاجة إلى تعزيز استقلاليتها الوظيفية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، سجل المجلس الأعلى للحسابات أن تعثر تجربة المدن الجديدة ارتبط بعدة عوامل، من بينها ضعف الحكامة، والتأخر في إنجاز التجهيزات العمومية، وإشكالات تدبير الخدمات، وعدم وضوح الدور الوظيفي لبعض هذه المدن. وهي خلاصات تضع تجربة تامنصورت ضمن نقاش أوسع حول النموذج الذي ينبغي أن تقوم عليه المدن الجديدة، بعيدا عن منطق التوسع العمراني الذي لا تواكبه بالضرورة وتيرة مماثلة في إنجاز الخدمات والأنشطة الاقتصادية.
وبعد سنوات من تراكم الاختلالات والتأخر، يبدو أن تامنصورت تدخل مرحلة جديدة من البحث عن نموذج تنموي أكثر وضوحا. ففي فبراير 2026، جرى تدارس مشروع تصميم تهيئة جديد يغطي المجال الحضري والمناطق المحيطة به على مساحة تفوق 8000 هكتار، مع تخصيص أكثر من 1500 هكتار للأنشطة الصناعية واللوجستية والخدماتية، إلى جانب الاهتمام بتأهيل الأحياء الناقصة التجهيز وربط التنمية الحضرية بالمشاريع المهيكلة، من بينها القطب الصناعي ومدينة المهن والكفاءات والقطب الجامعي المبرمج.
لكن الانتقال من التشخيص إلى تجاوز الاختلالات يظل رهينا بتحويل التصاميم والبرامج إلى مشاريع ملموسة يشعر بها السكان في حياتهم اليومية. فالتحدي اليوم لم يعد في تشييد مزيد من المساكن فقط، بل في استكمال ما ينقص تامنصورت لتصبح مدينة حقيقية بمرافقها وخدماتها واقتصادها وفرص الشغل التي توفرها.
ويقف اليوم مشروع مدينة تامنصورت أمام محطة حاسمة، إما تصحيح اختلالات الماضي ومنح المدينة المقومات التي افتقدتها طويلا، أو استمرار الفجوة بين مشروع «مدينة جديدة» على الورق وواقع حضري لم يكتمل بعد في انتظار قرار حكيم يحدد مصير الدينة وساكنتها.













