
في أزقة مراكش التي لم تعد تكتفي بصدى ضحكات الماضي، يرتسم اليوم مشهد درامي غلفته الكوميديا بمرارة غير مسبوقة. لسنوات طويلة، ظل جمال الدبوز المايسترو الأوحد الذي يعزف على أوتار الفكاهة في المدينة الحمراء، محتكراً الواجهة شبه الحصرية لهذا المجال، ومحوّلًا مهرجان مراكش للضحك (Marrakech du rire) إلى إمبراطورية رمزية واقتصادية، كانت تنبض كل صيف من قلب قصر البديع وتصل أصداؤها إلى ملايين المشاهدين عبر قناة M6.
لكن الرياح في يونيو 2026 تجري بما لا تشتهيه سفن العرّاب. فبينما كان الدبوز يراهن على استعادة وهج مهرجانه التاريخي في انتظار ترميم قصر البديع، كانت ترميمات من نوع آخر تُنجز بعيدًا عن الأضواء، داخل دائرته الأقرب. هذه التحولات أسفرت عن ولادة كيان جديد “Marrakech Comedy Festival”، مشروع لا يكتفي بإحياء الفكرة، بل يعيد تعريفها بالكامل، ويعلن عمليا نهاية نموذج الرجل الواحد.
وحسب اسبوعية” الايام” فإن المفارقة الدرامية أن هذا الانقلاب الناعم قاده أقرب المقربين. كريم الدبوز، الذي ظل لسنوات في الظل، خرج من جلباب أخيه ليعيد ترتيب المشهد من موقع مختلف، واضعًا يده في يد مالك بن طلحة، التلميذ الذي ترعرع داخل مدرسة الدبوز (Jamel Comedy Club) قبل أن يتحول اليوم إلى الواجهة الفنية للمشروع الجديد. تحالف لم يكن مجرد إعادة توزيع للأدوار، بل إعادة رسم لميزان القوة داخل صناعة الكوميديا المرتبطة بالمغرب.
وحسب “الايام” فإن التغيير لم يتوقف عند الأسماء. فالمسرح نفسه تبدل من الفضاءات المفتوحة ذات الرمزية التاريخية، إلى قاعات مغلقة أكثر مأسسة مثل قصر المؤتمرات بمراكش. كما تغيرت قواعد البث والتوزيع، فبدل الشراكة التقليدية مع M6، يدخل لاعب عالمي جديد على الخط، هو Disney+، في إشارة واضحة إلى انتقال المهرجان من حدث فرنكوفوني موسمي إلى منتج ترفيهي قابل للتسويق الدولي عبر المنصات.
في الظاهر، يبدو الأمر تحديثا طبيعيا تفرضه تحولات السوق من منصات رقمية وجمهور عالمي وجيل جديد من الكوميديين. لكن في العمق، يكشف هذا التحول عن إعادة توزيع دقيقة للنفوذ، حيث يجد جمال دبوز نفسه، ولأول مرة، خارج اللعبة التي ساهم في وضع قواعدها. فالمهرجان الذي كان امتدادا مباشرا لصورته، يعود اليوم بروح مألوفة، لكن دون توقيعه.
وبين قصر البديع وقصر المؤتمرات، وبين M6 وDisney+، لا يجري فقط تغيير في الشكل، بل في جوهر المعادلة من كوميديا تُدار حول نجم، إلى صناعة تبحث عن الاستقلال عنه.













