
على مدى أكثر من عقد من الزمن، ظل المغرب يعيش حربا حقيقية على طرقاته، حربا لا تقل فتكا عن أي صراع مسلح؛ الأرقام صادمة وتكفي وحدها لتعرية حجم المأساة؛ 4222 قتيل سنة 2011. وبعد 13 سنة من “الاستراتيجيات الوطنية” و”المخططات الكبرى”، لم يتغيّر شيء تقريباً؛ ففي 2024 قُتل 4024 شخصا، وخلال خمسة أشهر فقط من 2025 سقط 1624 ضحية في انتظار أن تكمل السنة حصتها السوداء.
في قلب هذه الكارثة؛ تقف الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (نارسا)، التي يُفترض أنها القاطرة نحو طرقات آمنة، لكنها تحولت إلى مجرد جهاز إداري يبرع في صرف الميزانيات الضخمة على صفقات الإشهار والتواصل، بينما يبقى النزيف على الطرق مستمرا بلا نهاية.
منذ 2004 أُطلقت استراتيجيات متتالية لتقليص عدد القتلى إلى النصف، لكن النتيجة كانت واحدة: فشل ذريع وتكرار للمأساة كل عام؛ كل ما رأيناه كان حملات دعائية باهظة، فيما الأرواح تُزهق يوميا في صمت.
وسط جزء من هذا المسار يقف اسم واحد؛ ناصر بولعجول، فمنذ 2015 وهو حاضر في المشهد، حيث بدأ كاتبا دائما للجنة الوقاية من حوادث السير، ثم مديراً لـ”نارسا” في 2019، ليُعاد تعيينه في 2024، وربما نراه في 2029 أيضا، في حال مرور “فضيحة” قرار قياس السرعة مرور الكرام، وكأن المغرب لم يُنجب كفاءة بديلة.
إن مذكرة نارسا الأخيرة المتعلقة بالدراجات النارية الصغيرة (49cc) ليست مجرد قرار إداري، بل كانت القشة التي كشفت عن الأسلوب المعتل في إدارة المؤسسة؛ فبدلاً من مواجهة الأسباب الحقيقية لحوادث السير، فضّلت الوكالة إلقاء المسؤولية على الفئات الأضعف في المجتمع، بقرار متسرع أثار غضباً واسعاً وأربك الشارع المغربي، وانتهى إلى بلاغ مرتبك من وزارة النقل بدا أقرب إلى اعتراف رسمي بسوء تقدير مدير الوكالة.
الأكثر إثارة للجدل هو أن المذكرة قد تعدّت حدود اختصاصات نارسا، حيث قامت بتوجيه تعليمات إلى وكلاء الملك والشرطة القضائية والإدارية، وهو سلوك يمثل إساءة مباشرة لمبدأ فصل السلط، ويُظهر أن المسؤول عن الوكالة يرى نفسه فوق القانون وفوق كل المؤسسات، من النيابة العامة إلى الأمن الوطني. فهل أصبح موظف تحت وصاية وزير النقل يفسر ويشرح كيفية تطبيق القانون لمؤسسات لها تاريخها وعملها المحدد؟
المغرب اليوم ينزف يوميا في حرب طرقات غير معلنة؛ سنوات من الدماء والصفقات والقرارات المرتجلة تكفي لإعفاء بولعجول فوراً، وفتح تحقيق شامل حول تبديد المال العام في مشاريع لم تثمر سوى “ماكياج إعلامي” يخفي الوجه القبيح للمأساة.
الخطر لم يعد في الأرقام وحدها، بل في غياب الجرأة السياسية على المحاسبة، وترك مؤسسة حيوية تُدار بمنطق الحملات الإشهارية، بينما الوطن يُشيّع يومياً المزيد من أبنائه على طرقه.













